محمد متولي الشعراوي

9117

تفسير الشعراوي

كما أن الآية الأولى ذكرت : { فَأَلْقِيهِ فِي اليم } [ القصص : 7 ] ولم تذكر التابوت كما في الآية الأخرى : { أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم } [ طه : 39 ] . إذن : ليس في المسألة تكرار كما يدَّعي المغرضون ؛ فكل منهما تتحدث عن حال معين ومرحلة من مراحل القصة . ثم يقول تعالى : { واذكر فِي الكتاب موسى إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً } [ مريم : 51 ] من خَلّصَ شيئا من أشياء ، أي : استخرج شيئاً من أشياء كانت مختلطة به ، كما نستخلص مثلاً العطور من الزهور ، فقد أخذت الجيد وتركت الرديء ، وبالنسبة للإنسان نقول : فلان مُخلص لأن الإنسان مركب من ملكات متعددة لتخدم كل حركة في الحياة ، وكل مَلَكَة من ملَكَاته ، أو جهاز من أجهزته له مهمة يؤديها ، إلا أنها قد تدخل عليها أشياء ليست من مهمته ، أو تخرج عن غاياتها فتحدث فيه بعض الشوائب ، فيحتاج الإنسان لأنْ يُخلِّص نفسه من هذه الشوائب . فمثلاً ، الحق تبارك وتعالى جعل التقاء الرجل والمرأة لهدف محدد ، وهو بقاء النوع ؛ لذلك تجد الحيوان المحكوم بالغريزة لا بالعقل والاختيار إذا أدى كُلُّ من الذكر والأنثى هذه المهمة لا يمكن أنْ تُمكِّن الأنثى الذكر منها ، وكذلك الذكر لا يأتي الأنثى إذا علم من رائحتها أنها حامل . إذن : وقف الحيوان بهذه الغريزة عند مهمتها ، وهي حفظ النوع ، لكن الإنسان لم يقف بهذه الغريزة عند حدودها ، بل جعلها مُتعةً شخصية يأتي حِفْظ النوع تابعاً لها .